الأحد، 16 أكتوبر 2016

شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية

لم تكن تملك من الأمر شيئاً إلا الدعاء ، سهرت طوال الليل تتأمّل في ملامح الوجه البريء الذي ازداد نوراَ على نوره وكأنّه يؤكّد حَدثِها ، تنظر إليه وتشعر أنها تفتقده ، تضمّه بين كفيها ولكن ، لا تملك سوى الصبر والسلوان.
وعندما شارف الصباح على الانبلاج كان يحيى في المسجد يصلي مع والده ، وبعدها ذهب إلى المنزل واغتسل وارتدى الملابس التي جهّزتها له والدته من ليلة أمس وقبّل يدي والديه كثيراً وودّع إخوته وأخواته وكأنّه يستعد للرحيل الأبدي.

خرج من المنزل وخرج قلب الأم مع ابنها ، هطلت الدموع على وجهها حتى كادت تبلل صدرها من كثرة الحزن والألم.

خرجت مظاهرة بعد صلاة العصر فخرج يحيى على رأسها وتزعّمها وبعد لحظات وفي غفلة من النّاس هدأ الصوت رويداً ... رويداً حتى تلاشى تماماً ، وإذا به يسقط ويلفظ أنفاسه الأخيرة بين يدي صديقين له يعرفهما جيداً وآخر مسيحي لم يكن يعرفه من قبل ، حملوه الثلاثة بين أذرعهم ونار الفراق تحرق قلوبهم ، نظر إليهم متبسّماً وقال لهم:

-    لماذا البكاء ، كنت أعرف أن الله كريم سيمنّ عليّ بعطيّة كبيرة كهذه ، أتغيرون من حب الله لي ؟ لا ... لا أريد أن أرى هذه الدموع ثانيةً ، ألست شهيداً؟
-         لا لا تقل ذلك ، سيارة الإسعاف على وشك الوصول.
-    لا هروب من قدر الله ، فقط أخبرا أمّي بأنني أحبّها كثيراً ، وأن توقّعاتها دائماً في محلها ، وقلبها الصدوق لا يمكن أن يخدعها مهما حدث فهو دليلها في كل الأمور.
-         لا يا يحيى ، أنتَ من سيخبرها بكل الأخبار الجيّدة ، ستحقق لها كل ما تتمنّاه.
-    أرجوكم ... لا فائدة من ذلك ، دعوا روحي تفيض إلى بارئها بسلام و عِدوني بأن ما أخبرتكم به ستنفّذونه ، .......... عِدوني أيضاً أن الجهاد سيظل مستمراً ضد الظلم والظالمين وأن الروح ستدب إلى الجسد العربي المهيب لتعيد مجده السليب.....
-         نعدك يا رفيق الدرب ، نعدك ...
-         الآن أطمئنّ في رقودي " أشهد أنّ لآ إله إلا الله ..... وأشهد أنّ محمّداً عبد الله ورسوله ".

وهدأت روح يحيى في سكون وسلام ، وعلمت أمه الخبر فلم تفاجأ ولكنها احتسبته عند الله ، كان وقع المصيبة عليها قويّاً مؤلماً ، انطفأ نور الشمس وغابت النجوم عن الكون ... غيّمت السحابات السوداء ودمّعت السماء لفراق النبيل الباسل ... طارت العصافير عن أشجارها ... توقف إنشاد العندليب وعم الشجن والحزن أرجاء المكان ... عانقت جدران المنزل التراب تنبش فيه وتفتش عن رائحة شهيد الحريّة ... بدأ صوت المؤذّن بالاختناق ، دمّع قلبه قبل أن تدمع عيناه ... تمنت الأم لو أن الأرض تنشق وتبتلعها فلا تسمع للحزن صوتاً ، ولا للقلب خفقاً ، ولا للعين بؤساً ... هزّت الصدمة أرجاء الديار ، حطمت آمال الصغار والكبار ، أبدت أشجار الجنينة نحيبها ، أنّت في صوتٍ أجش ، تنهيداتها تصم الآذان ... تنشر الفرح والأحزان وتزف روح الشهيد إلى جنان ربّه المتعال ........... انفطر قلب أمه عليه ولكنّها لم تعترض على قضاء الله وقدره ، فاستقبلت نبأ استشهاد بطلها الخلوق بالزغاريد الرنّانة والبِشر والسرور والدموع تُسطّر علامات على وجهها المجهد وعينيها المحمرتين وهي تردد قول الحق : "ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياءٌ عند ربهم يرزقون"(4). فكانت حقا أم البطل ، ربّت فأحسنت التربية ، وزرعت الخير فحصدت الفضل والعزّة ومكانا في الجنة.

ولم يهدأ روع أصدقائه وزملاء رفقته وطريقه ، لم يشفِ غليلهم ويعيد الطمأنينة إلى قلوبهم المجروحة والمنفطرة على الباسل المُهاب إلا أن ينقلبوا على النظام الطاغي ويقتصّوا مِن مَن كان السبب في ذلك ...
 فسكنت روحه مطمئنّة راضية مرضيّة بسلام وأمان في جنة الخلد عند ربه الرحمن الحنان المنان........
وظلّ الجهاد مستمراً ضد كلّ مضطهدٍ ظالم ، يعاون الشعب العربي بعضه البعض ، فهل زالت الأزمة عن العقول ؟ أم ستظل القلوب في رقود أبو الهول؟!.....

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق