ينتصف عقده الثاني وتأتي معه ذكريات خنقتها رائحة العجز .. هل كان عليه أن يعاني هكذا من أجل وطنه البعيد القريب ؟! تلك الأرض التي طالما رُبط وقعها في نفسه بلمعة عينيه .. رجفة أصابعه .. وخفقات قلبه مُصاحَبة بتلك البسمة البلهاء على شفتيه .. تَطرب نفسه لسماع حروفها الثلاث ويُصغي لاسمها إذا ذُكرت على وريقات كتابه يزيّن خفاقها نسر شامخ القامة ..يشعر بالفخر جدا جدا .. هو ابن تلك البلد .. قد كان !..
- ما عم يفتح المعبر يا عمي .. هو خاين .. متورط مع الصهاينة .. ما بدوا ايانا ف بلده .. وين بدنا نروح طيب ؟!
- هيك دايما العرب ويا بعضهم .. حسبي الله عليهم.
كنت أعلم أننا جميعا عرب .. تجمعنا قومية ناصر .. أعلم ذلك جيدا .. هو أيضا يعلم في قرارة نفسه أنه متعاطف حتى النخاع .. والعاطفة دليل الحب .. هو عربي ..هو أكثر من عربي .. يعشق كل البقاع الرابضة من المحيط إلى الخليج .. لا أعلم أيحبها فعلا أم هو التلقين الصباحي بعد انتهاء التحية اليومية في ساحة المدرسة .. يحفظ نشيد بلده الوطني .. يجري في عروقه مجرى الدم .. يسمعه بصوت درويشه "سيد" على إيقاع الطبول يطرب له .. يملأ رئتيه برائحة الطمي النيلي .. يعبر الزمكان كثيرا يرفع رأسه فخرا منتشيا .. يرى النسر يزين الخفاق مرتفعا .. يبتسم ..
يعشق زايد الخير .. هو الزعيم الأمثل في نظره ..أياديه البيضاء تاركة أثر في كل مكان في حله وترحاله .. يرى ابتسامته وعقاله المائل .. وجه لوحته الشمس .. تجاعيده كأنها النيم .. لم تمسه عجلة سيارة في سفاري ولم تطأه قدم أعرابي .. يرى صحاري طريق الإمارات في وجهه .. ويرى وجهه في كل شيء.
يقسم يوميا أن يعمل ويخلص مهما طال العمر .. يدعو لحفظ الأمن وشموخ قامة بلده .. أهي بلده الأم لأنه ولد على أرضها .. أم يسبقها نسبه للوطن ذي الثلاث أهرامات ؟! .. لم تعد تلك الأمور تشغل باله على كل حال .. يعود من شروده المشوب برائحة العود الأزرق وشجيرات المانجو التي زَرعتها يديه قبل بضع سنوات في حديقة جدته ولم يُكتب لها أن تُثمر بعد استئنافه العودة لأرض زايد الخيرات.
عليه التدخل في حوارهم .. لا يطيق أن يُهان رمز بلده - وان اختلف معه في الرأي - وهو ساكن الحراك .. يضغط على أسنانه بحركة عصبية .. يهزّ قدمه اليمنى كثيرا .. يتأهّب للكمة فظة يسددها لابن شجيرات الزيتون .. يكظم غيظا .. يمحو دمعة خانته متسللة تروي وريقات زُيّنت ببضع وعشرون علم .. تُسارع أنامله لمحوها .. يطوي كتاب الاجتماعيات بعصبية غير معهودة ..
- أتُفكّر فيما أُفكّر فيه يا مصطفى !!
- هو رجل حكيم .. وبالتأكيد إنسان .. انها أطول مرة يستمر فيها بغلق المعبر .. أكيد في إنّ .. هي أم العرب .. ووليها قائدهم .. مسؤوليته كبيرة .. لن يُقحم نفسه هكذا .. هو خائف فقط .. يخاف فتح المعبر حتى لا ينزح الجميع تاركين أراضيهم لأبناء اسرائيلية دخلاء .. سيناريو الغرفة وحيدة الباب والشباك هو الأنسب .. إن فُتِح الباب .. خرج أهل الحق ليدخل مكانهم من الشباك صهاينة يبنون مستخرباتهم ..
- تقصد مستعمرات ؟!
- لا .. كيف تكون مستعمرات وقد بُنيت على أنقاض مدينة الزيتون ؟! .. وقد حرقت ألف حنظلة وكسرت ريشة ألف ناجي على من قبل؟! .. هو لا يريد لاخواننا الفرار من أرض الميعاد .. بالتأكيد هناك خطة ما.
- ( مبررات فارغة ) هكذا حدثتني نفسي .. ( هو الآخر لا يجد ما يغفر به زلات ولي أمره سوى اختلاق الأعذار)...

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق