الأحد، 16 أكتوبر 2016

عالم موازي .. 2


     تأتي القشة مع الريح .. تتموج في حلقات لولبية غير مكتملة لتستقر على ظهر بعير عرجاء فتقسمها .. با للمسكينة !!

يكتب ويكتب .. تملأ الدموع وريقاته قبل الكلمات .. تصبح رؤيته ضبابية .. تتشوه كليا وتتشوه معها نوافذ روحه المطلة على عالم البؤس هو السمة الرسمية المميّزة له .. يحزن كثيرا هذه الأيام لذا يكتب كثيرا .. يكتب حتى تفيض وريقاته بالكلمات .. يدوّن على أسطرها بؤسه ويلوّن على جدرانها ذكرياته لعل الحياة تصبح وردية يوما لا تُحتمل فيحن لتلك (الشخابيط) .. يسكب هموم روحه بالكلمات .. يهمس بأسراره في أذن الوريقات فتحفظها .. لا يستدعيه الأمر أن يخبرها لحفظ أسراره بالبئر المشترك بينهما .. ذاك المدفون بأعماقه ..بئر جاف .. لا دلو له ولا واردون !!

يشعر أن خلاصه بتلك الأيام .. أين ومتى هو لا يدري .. لكن دائما هناك يقين .. إحساس يغمرنا بالطمئنينة .. يملؤنا دون بوادئ ولا مبشّرات .. عله يتعظ .. علّه يفهم ويكون لروحه من يومه نصيب .. علّه يصبح لبعض الوقت(هو) .. لا (لهم) .. علّه ..

يكره تلك الإضاءات الخافتة المائلة للصفرة .. تُشعره بالحزن .. لا يدري كيف يحتملها البعض ؟! فقط تلك الفلوروسنتية ناصعة البياض تبهجه .. أبدا لا تدفعه ليمسك القلم ويدوّن إحساسه بمن حوله .. احساسه بنفسه .. احساس غيره بغيره .. وحدها الصفراء اللعينة تفعل ،، ومع ذلك يبغضها.. يبغض وجودها بشدة .

واهية هي حدود الزمان .. تلك الموانع المستحيلة .. تتدفق بسلاسة كنسيم بارد فتعصف بذاكرته عصفا ضاربة بحدود الزمكان عرض الحائط .. يأتي البؤس دفعة واحدة .. كحبّات المسبحة متصلة مواقفه ببعضها البعض .. يشعر بأول لطمة تلقاها من معلمه .. جرسها ما زال يُطن أذنيه .. ما زال وقعها في نفسه .. كيف للمواقف أن تُخلّد هكذا مع الإحساس في ذاكرتنا ؟! .. كيف لذكريات الطفولة والتعلم أن تصحبها زوابع الروح المضطربة هكذا؟! .. أساؤا له ولغيره كثيرا .. لم يكن عليهم أبدا أن يكونوا بتلك القسوة .. من سمح لهم أن يكونوا جزءا من ذاكرته ؟!..

ينتصف عقده الثاني وتأتي معه ذكريات خنقتها رائحة العجز .. هل كان عليه أن يعاني هكذا من أجل وطنه البعيد القريب ؟! تلك الأرض التي طالما رُبط وقعها في نفسه بلمعة عينيه .. رجفة أصابعه .. وخفقات قلبه مُصاحَبة بتلك البسمة البلهاء على شفتيه .. تَطرب نفسه لسماع حروفها الثلاث ويُصغي لاسمها إذا ذُكرت على وريقات كتابه يزيّن خفاقها نسر شامخ القامة ..يشعر بالفخر جدا جدا .. هو ابن تلك البلد .. قد كان !..

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق