الأحد، 16 أكتوبر 2016

شعاع النور والأمل يعانق شمس الحرية .. 2

كنت أشتاق لوطني ، تشتاق رئتاي للهواء العليل ، تتوق يداي للمس الثرى ، تشتاق عيناي لكل منظر رأته أم لم تره من قبل ..... قدماي لم تكن تعرف معنى للسير ... للركض ... للقفز إلا قبل وطأتها هذا السجن الموحش ، لم يكن لي أن أدرك أبداً قيمة ذلك إلا بعد فوات الأوان ... وأنا في معزل ، بعيد عن وطني الغالي الحبيب.
اليوم سنة ، ما أمل الانتظار ... ويا له من انتظار ... إنه موحش ... ترى هل كتبت لي العودة ؟ أم سأموت غريب الديار في معزلِ؟.....

جدران المنزل الذي تربيت فيه ، ألفتها وألفتني ... أشجار الجنينة التي داعبت أغصانها بقسوة وداعبتني بكل حنان ورفق ولطف ... لم تبخل علي بثمارها حينما بخلت عليها بالماء القليل والوقت الضئيل ... يا ويلاه في غربتي ، أهكذا تكون الغربة؟ ... أكنت مخطئاً لهذا الحد عندما قررت الارتحال عن الأرض السمراء؟ لم أكن أعلم أن ثمن الغربة هكذا وأن أيامها باهظة الثمن على أمثالي ، لم يكن لي أن أعي ذلك ، وكيف لي أن أقدّر كل هذا وأعيه تماما وأنا الطفل المدلل بين يدي أمي وأبي؟! ، ولكن ،،... الآن نضجت ثمار الشجيرات ...
كُشف الضباب عن البناء ... رحل القمر وسطعت الشمس بأشعتها المشرقة الوضاءة ...، الآن أيقنت قيمة وطني ، إنه من أجل النعم وأعظمها بعد الإسلام أن يكون وطنك هو مصر ، صدى كلماتي يُرسل عبر البلدان ، يخترق البحار والأنهار ، يمر بالكواكب و الأقمار ... يتردد في كل مكان ... يخلد ذكرى ( كامل ) ليبعث الحياة في رفاتي ، يهتف واثق الخطا يسطر كلمات من نور في سماء الظلم والجهل والغربة والضنك لينشد بصوت جريء :

لو لم أكن مصريا      لوددت أن أكون مصريا(3)

وبعدها:

يختنق الصوت ، يتلاشى تماما ... فقد نسي أنه ما زال مغتربا تائها في أرض الله الواسعة .... لقد حل المساء وأنهكه التعب والشقاء ، طوال اليوم لم يغمض له جفن ، فنام يحيى وغاص في أحلامه......

في صبيحة اليوم التالي و إذا بأذان الفجر يدوي في آفاق المدينة فيهرع يحيى إلى سجادة الصلاة ....
ياااااه ، لقد اشتقت للقائك يا الله ..... لم أقف بين يديك مذ أن قابلت نظمي وعزمي رفاق السوء ، كانوا أول من دلني على العصيان ..... عصيان الله ورسوله ، عصيان أمي وأبي ، وحتى عصيان نفسي ، نعم ، لقد عصيت الخير في داخلي وأمرت نفسي بالسوء وأجبرتها عليه ، شتان بينهما وبين أحمد ومحمود ، لقد كانا خير من عرفت في حياتي ، أخبراني أن من أصاحبهم وأتخذهم أخلاء ليسا ممن يجب عليّ أن أتحدث إليهم أصلا ، ولكن بلا جدوى ، لقد عمت عينيّ غشاوة الطيش والشباب وخاطرت بمستقبلي وتخليت عن أهلي بسببهم وها أنا ذا ألاقي سوء فعلتي وتهوري.....

وإذا به يتعمق في ذكرياته ويتذكر ما آلت به الأيام حتى أوصلته إلى تلك الطريق المغلقة والدموع تترقرق من عينيه وهو أشبه ما يكون في غيبوبة يسمع نداء الصلاة فيفيق من سكرته ، ويسترجع حاضره ثانية عاقدا العزم على ألا يفارق سجادته ما حُيِيَ.

الدموع تملأ عينيه ، الخوف والقلق سماته ، لكن قلبه كان موقناً ومطمئناً بأن الله غفور رحيم ، فهدّأ من روع نفسه وعقد العزم على الرحيل ..... فلم يعد قلبه الصغير يتحمل الفراق بعد الآن ، أيصبر على فراق الأهل والأحبة أم يصبر على لوعة اشتياقه لوطنه أم ماذا؟ وهو ابن للرابعة والعشرين من عمره.


 عقد العزم على الرحيل والرجوع لموطنه الغالي فلم يصر على شيء قدر إصراره على هذا المطلب من قبل حتى إذا انتهى من تنظيم ( شنطته ) وتوضيبها ودع الغرفة وزملاء العمل ، ذهب إلى رئيس العمل ليخبره بأنه استفاد من العمل معه كثيرا ... انحنى ليقبل يد رئيسه والدموع تبلل كف الرئيس فيكون لها وقع السوط على جلد العبد الفقير .... كالنيزك في سقوطه على الأرض ، كم كان يتألم يحيى لأنه أساء الأدب في يوم من الأيام معه وكم كان ألم رئيسه لفراق الطالب النجيب ، تألم لمنظر يحيى وسقطت دموعه سهوا وهو الرجل المهاب ذو الاحترام الوفير وبالغ التقدير و التعظيم ..... كان الموقف مؤثرا جدا .... سحب الرئيس يده بسرعة فانكب عليها يحيى تبجيلا واحتراما له وهو يردد : علمتني الحياة أن من علمني حرفا صرت له عبداً ، وأتمنى أن أكون ذلك العبد لك ولكنني مهما فعلت لم ولن أستطيع أن أوفيك جزءاً من فضلك وكرمك وطيبتك ، تركت أبا لي في مصر ، فلم أجد أحن منك عليّ حتى أتخذه أبا لي .... والآن حان وقت الرحيل ....                    وذهب دون أن ينطق ببنت شفة ..........


كم كانت الحادثة وشيكة ، أكان لي أن أكون وحشاً في صورة إنسان؟ .... حمداً لله أنني نجوت من هذا الكابوس المروع المخيف ..... لم يحرك مشاعر الحنو داخلي سوى موت نظمي ، لقد مات وهو عاق بوالدته ، تركه إياها وهي في أرذل العمر كان خطأً كبيرا ..... ترى أكانت راضية عنه؟ أم مات وهي غضبى عليه؟ لم يشعر بذلك إلا وهو يتلفظ أنفاسه الأخيرة ، فجأة ، ........ ياااااه المنظر رائع من هنا يا لصغر حجم البيوت ... أكاد أرى المدن وكأنها مكونة من مكعبات بلقيس الصغيرة ، صحيح ، أتغير شكلها عما كانت عليه ؟ ترى كيف أصبحت الآن وما هو شكلها الحالي؟ وفي أي صف تكون؟ و........

" السادة الركاب ، رجاءً أوثقوا رباط الأحزمة جيداً ، نحن على وشك الوصول ، رحلة سعيدة إن شاء الله ".

أعلم أن الفراق صعب جدا ولكن ، اللقاء بعد الفراق أصعب كثيرا ....

( يخرج يحيى صورة عائلية من  ( الهاند باج ) التي كان يحملها معه على متن الطائرة ويتأمل فيها ملياً ... يتمتم بكلمات ويخرج زفرات حارة .... )

-         نعم ... نعم ... هكذا يجب أن تكون.
-         قفوا جيداً .... فاليوم عيد لنا جميعاً.
-         نريد أن تكون جيدة .... سيأخذ كل منا نسخة ... اتفقنا؟
-         نعم ... نعم ... اتفقنا
-         1 ...  2... 3 الآن.
-         هييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييييه.

تقطع همسات المضيفة حبل أفكاره وهي تردد: الآن وصلنا ... حمدالله على السلامة.
ينظر من النافذة ، لا يكاد يصدق ما حدث ، يشعر أن قلبه قد تحرك من مكانه وخرج من صدره ، يهرول ، يروح ويجيء ، تنظر إليه المضيفة في تعجب تبتسم ابتسامة ساخرة:

-         أأساعدك في شيء ما يا حضرة؟
-         لا ... لا شكراً .... إإ نعم ... نعم ... لا أدري؟
-         أين الباب؟ ( الشنطة ) ......

يهرول نحو الباب ... يقف عنده برهةً ... يبتسم بشدة ثم يستنشق الهواء من أعماقه ويملأ رئتاه برائحة الهواء التي طالما تمناها وهو غريب الديار بعيداً عن الأهل و الأخيار ... ، وأخيراً من هنا أبدأ ... من هنا سأولد من جديد ..... يا ربنا ........ الحمد لله أأنا في حلم أم ماذا؟ لا لا إنها حقيقة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق