يدفع اللقيمات الواحدة تلو الأخرى فتأبى مغادرة بلعومه .. تلفظ معدته ما تتلقاه من قوت .. لا يدري سببا واحدا يدفع والده لمشاهدة الجزيرة أثناء وقت الطعام .. لا يستطيع أن يسامح نفسه على ما يحدث لأبرياء لهم من العروبة ما له منها من حق .. يندفع إلى الممر القاطن بين حجرات منزله .. يبكي كثيرا بعيدا عن تلك الأعين الصغيرة .. تلك التي أخذ منها الأسى الحظ الأوفر .. الوجوه التي شاخت .. والشعور التي دب فيها الشيب نتيجة تقلبات الزمن .. ( لهم الله) .. كان يدعو لهم كثيرا .. ثقته في الباري كانت أكبر بكثير مما تراه عيناه.
لم يَدر بخلده يوما أن يشعر بتلك الغصة مجددا ممزوجة بالمزيد من الغضب .. لم يتوقع أبدا أن يأتي اليوم وتخضّب راية المَنفذ بالدماء وتحنى جبين نسره الشامخ ..
رآها صورة ذهنية تمر بروحه بصوت أطفال صغار "كم لنيلك من أياد" لكنها لم تكن كسابقاتها أبدا .. أصبح يرى النيل أحمر قان .. مبنى ماسبيرو أقصى يمين اللوحة والخفاق مرفرفا في خلفية يتوسطها نهر غارق بدماء أبنائه .. يرى النسر في قبعة جده شامخا كعادته .. يبتسم .. تظهر أسنانه .. يشرئب وجهه .. تنمحي تلك البسمة سريعا حين يتذكر وفاة جده .. ( ترى لو علموا ما ستصير إليه البلاد الآن .. أكان لهم أن يضحوا في سبيل شموخ نسرها بروحهم؟! ) .. يسخط عليهم .. عليه .. على الجميع .. لا يريد وطن مرقّع فهلا أعطاه أحدكم مطلبه؟!
ليست هذم مصر .. ولا هذا شعبها .. أمخدوع هو إلى تلكم الدرجة؟! .. أم أنه لُوّث .. ملوّث بأفكار أيجابية جدا .. ملوّث بالإيمان .. بالتفاؤل .. بالحب .. بالخير؟! يعشقها من أعماقه .. بل هو ( العاشق السيء الحظ ) .. هي ليست معشوقته .. تلكم كذبة .. أم أن ما كان يعيشه هو الوهم بعينه .. هو الكذبة الأكبر في حياته؟!
خداع الإعلام .. التمجيد الزائف .. الشعارات الغتّاء الوطنية .. كلها كانت (فنكوش) مُتقن الصنع .. أكبرها التدين .. هو ليس شعبا متدينا بطبعه كما يدعون .. بل إنه شعب عاشق للمتديينين .. مهووس بالدين .. بكل ما هو إسلامي بالأخص وديني عامة .. محبّون لأهل الدين .. يقدسون شيوخهم ولا يقلدونهم .. يخرجهم السباب والأعمال المنافية لتعاليم الإسلام من دينهم يوميا .. ليس هذا بإسلام يا بلد الأزهر .. حُرّفتم كثيرا عن صراطكم .. فهل من فواق ؟!!
فيكم الخير .. الخير الكثير .. اسمعوا كثيرا .. تفقّهوا .. اقرؤوا كتاب الله .. عيشوا حياة رسوله .. تابعوا صحابته .. واقتدوا به .. تخيلوا ( لو كان بيننا الحبيب ) ! .. راجعوا أنفسكم .. بالله لتُحاسبوا .. بالله لتُسألُنّ .. ولتندموا يوم لا ينفع مال ولا بنون ..
حبوا أنفسكم .. حبوا غيركم .. حبوا لإخوانكم ما تحبوه لأنفسكم .. كونوا على العهد والوعد .. فيكم صلاح كثير فكونوا صالحين .. فيكم صلاح أرضنا من المحيط إلى الخليج فعلام الانتظار؟!..
يحزن كثيرا هذه الأيام .. لذا يكتب كثيرا هذه الأيام .. لا يستطيع التدوين إلا في أوقات بؤسه .. لا تخرج الكلمات بصدق من روحه في حالات ابتهاجه .. كم هو مدين لذلك البائس !..
ذلك الشقي بداخله .. البائس المتأصل في كوامن روحه يغمر تجاويف عقله بالذكريات حين استدعائه .. لو كان لاستدعائه زر سيكون الحزن .. اضغطه لترى .. لتشعر .. لتشم رائحة الشقاء - لو كان للشقاء رائحة - بألوانها المختلفة فتغمر خياشيمك .. اعبر حدود زمانك وانتقل للماضي البعيد كلما أردت .. أنا جاهز لبؤسك .. هناك المزيد لتعرف .. فقط استدعيني وتذكر أن للمعرفة ثمن .. لتدفع من روحك أولا .. من فكرك ووقتك .. ولتبتاع سخافات !!..
ولتنتظر المزيد من الهراء ،،

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق